محمد بن جرير الطبري
9
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
خفض بنية الباء ، قال : ومعنى الكلام : إن ربك هو أعلم بمن يضل . وقال بعض نحويي الكوفة : موضعه رفع ، لأنه بمعنى أي ، والرافع له " يضل " . والصواب من القول في ذلك : أنه رفع ب " يضل " وهو في معنى أي . وغير معلوم في كلام العرب اسم مخفوض بغير خافض فيكون هذا له نظيرا . وقد زعم بعضهم أن قوله : أَعْلَمُ في هذا الموضع بمعنى " يعلم " ، واستشهد لقيله ببيت حاتم الطائي : فحالف ت طيئ من دوننا حلفا * والله أعلم ما كنا لهم خذلا وبقول الخنساء : القوم أعلم أن جفنته * تغدو غداة الريح أو تسري وهذا الذي قاله قائل هذا التأويل وإن كان جائزا في كلام العرب ، فليس قول الله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ منه ؛ وذلك أنه عطف عليه بقوله : وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فأبان بدخول الباء في " المهتدين " أن أعلم ليس بمعنى يعلم ، لأن ذلك إذ كان بمعنى يفعل لم يوصل بالباء ، كما لا يقال هو يعلم بزيد ، بمعنى يعلم زيدا . القول في تأويل قوله تعالى : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين به وبآياته ، فكلوا أيها المؤمنون مما ذكيتم من ذبائحكم وذبحتموه الذبح الذي بينت لكم أنه تحل به الذبيحة لكم ، وذلك ما ذبحه المؤمنون بي من أهل دينكم دين الحق ، أو ذبحه من دان بتوحيدي من أهل الكتاب ، دون ما ذبحه أهل الأوثان ومن لا كتاب له من المجوس . إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ يقول : إن كنتم بحجج الله التي أتتكم وإعلامه بإحلال ما أحللت لكم ؛ وتحريم ما حرمت عليكم من المطاعم والمآكل مصدقين ، ودعوا عنكم زخرف ما توحيه الشياطين بعضها إلى بعض من زخرف القول لكم وتلبيس دينكم عليكم غرورا . وكان عطاء يقول في ذلك ما : حدثنا به محمد بن بشار ومحمد بن المثني ، قالا : ثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : قوله : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ قال : يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح ، وكل شيء يدل على ذكره يأمر به . القول في تأويل قوله تعالى : وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ أختلف أهل العلم بكلام العرب في تأويل قوله : وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا فقال بعض نحويي البصريين : معنى ذلك : وأي شيء لكم في أن لا تأكلوا ، قال : وذلك نظير قوله : وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ يقول : أي شيء لنا في ترك القتال ؟ قال : ولو كانت لا زائدة لا يقع الفعل ، ولو كانت في معنى : وما لنا وكذا ، لكانت : ومالنا وأن لا نقاتل . وقال غيره : إنما دخلت لا للمنع ، لأن تأويل " ما لك " ، و " ما منعك " واحد ، ما منعك لا تفعل ذلك ، وما لك لا تفعل واحد ، فلذلك دخلت " لا " . قال : وهذا الموضع تكون فيه " لا " وتكون فيه " أن " مثل قوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا و " أن لا تضلوا " : يمنعكم من الضلال بالبيان . وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال : معنى قوله : وَما لَكُمْ في هذا الموضع : وأي شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، وذلك أن الله تعالى ذكره تقدم إلى المؤمنين بتحليل ما ذكر اسم الله عليه وإباحة أكل ما ذبح بدينه أو دين من كان يدين ببعض شرائع كتبه المعروفة ، وتحريم ما أهل به لغيره من الحيوان ، وزجرهم